باب ما جاء في الرقاق وان لا عيش الا عيش الأخرة
"الجزء الثالث"
بسم الله الرحمن الرحيم:
فحفر ما بين
الحرتين خندقًا لا يتجاوزه العدو...
كان عرض الخندق لابد أن يكون أكبر من أن تقفِزه
الخيل، وكانوا يحفرون بالأدوات اليدوية ويحملون التراب بأيديهم.
وجعل النبي صلى
الله عليه وسلم يحفر الخندق ويباشر حفره بنفسه للدفاع عن أصحابه، وكان شعره كثيرًا
ﷺ، حتى رُئِي التراب على شعره ﷺ وهو ينقل التراب..
كان شعر الرسول ﷺ أسود وناعم وجميل، كان الرسول ﷺ وسيمًا،
وأن كان نبينا
يوسف أُعطي نصف الحسن فقد أُعطي محمد ﷺ الحسن كله، فهو وسيم الخلقة ﷺ. اللهم ارزقنا
رؤيته.
حتى رُئِي التراب
على شعره ﷺ وهو ينقل التراب، أحيانًا يحفر وأحيانً ينقل، ويقول ﷺ: "اللهم لا عيش إلا عيش
الآخرة" وصدق ﷺ فعيش الدنيا يزول، إما أن يزول عنك وإما أن تزول عنه، لكن عيش الآخرة
باقٍ لا يزول
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا 16 وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ
وَأَبْقَى 17﴾ [الأعلى: 16 – 17]
وأنتِ حتى يتبين لكِ
كيف أن العبد يترك كل شيء، المغتربات يشعرن جدا بهذا الأمر، ما الذي تركناه في بلادنا؟
كل شيء؛ أباكِ وأمك وأخواتك وبيتك وشقتك التي جهزتيها..، سبحان الله، فأنتِ تزولي
أو أن عيش الدنيا يزول عنكِ.
عندما تفرشين غرفتك
هل تفكرين في فرش القبر؟ عندما تُبخرين بيتك او غرفتك وتضعي المعطرات كي تتحسن
نفسيتك، التعطير من هدي النبي ﷺ كان أكثر ما يحب من الدنيا الطيب والنساء؛ نساؤه طبعًا. هل نحن
نفكر بماذا سنفرش القبر؟ الحديث العجيب عندما
يوضع العبد الصالح في قبره، يأتي للعبد ملكان فيقعدانه بمجرد أن يضعه أهله في التراب، في الحديث في الأثر يأتي الملكين للعبد الصالح من جهة اليمين فيجدوا القرآن الكريم يحيط به،
يأتيان من اليسار فيجدان الصلاة، يأتيان من هنا يجدوا الصيام، يأتيان من هنا يجدوا
الصدقة، فيُناديانه أن أجلس، يعني ما يجذبوه
ليُجلسوه بل ينادوه فيجلس، اللهم اجعلنا من الصالحات الصادقات.
فليس من المفروض أن تعيشي في دوامة الغم الذي في
الدنيا، لكن نحن الآن وكثير جدًا من السيدات تبحث عن ما ينكد عليها وتذهب له وتبحث عن الموضوع الذي يغمها مع زوجها وتفتحه، وتريد
أن تُعَلِّمَه! الله سيعلمه، لكن أنتِ أصلحي ما بينك وبين الله والله عز وجل يلين
لكِ الحديد ﴿وَأَلَنَّا لَهُ
ٱلۡحَدِيد﴾ لا
تفتحي مواضيع مغلَّقة، لا تفتحي أي موضوع مُغلق
عليه، اهتمي بصحتك وبفراغك في ما يقربك على الله، لو في شيء مُغَطَّى لا تفتحيه ما
في داعي، يمكن للمرأة أن تتناقش في موضوع مضى عليه عشر سنوات فيتسبب في طلاقها
اليوم.
العبد الصالح ينظر
لعيش الآخرة على أنه العيش الذي يهتم به وينفق فيه صحته وفراغه.
فالشيخ
يقول:
نسأل الله أن
يعيننا على أنفسنا، فإن أكثر الناس ينظر ماذا يعمل للعيش الزائل، ولكن الحازم هو
الذي يعمل للعيش الباقي فلا عيش إلا عيشُ الآخرة، ولهذا ما ينبغي أن نأسف على ما
فاتنا من أمر الدنيا؛ لأن هذا الزوال هو النتيجة الحتمية.
يعني لا تقولي [يا ليتني من سنين كنت فعلت كذا وكذا او
ادخرت وبنيت البيت يا ليتني ما بعت ذهبي] لا تتحسري على دنيا لكن الذي
تندمي عليه هو عمر ضاع منا لم نتدبر كل يوم كلام الله، نندم على وقت ضاع مننا لم نقرأ فيه صحيح
البخاري ومسلم فضلا عن رياض الصالحين والأربعين النووية.
نعتصر ندمًا أننا منذ نعومة الأظافر لم نعرف معنى اسم الله الديان حتى نرتاح
وترتاح نفوسنا ولا نفكر في الناقصين من الناس أو مرضى القلوب
والنفوس الذي يؤذوننا، هذا هو الذي تقولي يا ليتني تعلمته من زمان، لكن أي شيء ضاع
في الدنيا فما تتضايقي عليه أبدًا، أحيانًا كثيرة تساعد المرأة زوجها في المصاريف،
ثم يفعل معها موقف يضايقها فتقول [يا ليتني لم
أُعطيك ريـال! ذهب وتزوج عليَّ بأخرى! وأنا عشت معه وهو فقير طوال عمره!].
لو نفقتك لله فالرب
شكور يعطي المتحملين من أجله
الأثقال جزيل الثواب.
تقول لي: [أضع كل مالي في البيت] فأقول لها احمدي
الله أن لكِ راتب، فأي شيء ذهب منك في الدنيا فلا تندمي عليه ولا تتحسري عليه، بل
تحسري على شيء لم تُحصليه لعيش الآخرة.
وكان ﷺ إذا رأى ما
يعجبه من الدنيا يقول: "لبيك إن العيشَ
عيشَ الآخرة" وهذه تربية نفسية
عجيبة، لأن النفس إذا رأت ما يعجبها في الدنيا ربما تنصرف إلى ما رأت والذي يصرفها
عن ذلك هو زمام وخُطام "لبيك".
أول ما ترى شيء في الدنيا يجذبك تذكري فورا ان الدنيا ستزول وتبقى
الحسرة إن تركتِ دينك، مثلا واحدة تكون تتعرض
لفتنة ويراسلها رجل وهي محرومة من هذا أو يكلمها وكل من حولها يقولون لها أنت لا تفهمي، وهو قال لها أنتِ الأذكى، فهي محرومة عندها عقدة نقص ممن حولها فتنبهر، فتلج في الفتنة فإن ولجتها سقطت
فيها، أول ما تشعري أن أي فتنة ستأخذ قلبك بعيد عن ربك فقولي: لبيك اللهم لا عيش
إلا عيش الآخرة.
كأن هذا الإعراض عن الفتنة وعيش الأخرة يُقابل
بالتلبية أي أجبتك ربي ورجعت إليك، ثم يوطِّن هذه النفس ويزهدها فيما رأت مما
يعجبها من هذه الدنيا، فيقول: "إن العيشَ عيشُ الآخرة" وانظر إلى الذين
عاشوا في الدنيا أعظم وأنعم عيش أين هم؟
الملياردير الفلاني أين هو الآن؟ هل قبره مختلف عن قبر الفقير؟ هل
شكل قبره يختلف عن قبر الميكانيكي أو العامل في المحطة أو من يعمل في المنجم تحت
الأرض أم أن كلنا سنكون تحت التراب؟ هل من تعيش تلبس فساتين ومجوهرات وتخرج على
الأضواء وتشتهر بأنها الفنانة فلانة ومائة ألف واحد يسمعها هل
قبرها سيكون به قصر من تحت أم ستكون في التراب؟ بل على العكس المعاصي ستكون في
قبرها.
قد زالوا تحت الثرى هم وغيرهم سواء، وربما
يكونون أسوأ من غيرهم، وانظر إلى من طلب عيش الآخرة –نسأل الله أن يعينني وإياكم
على طلبه- كيف صارت لهم الذكرى الحسنة في الدنيا، والجزاء الحسن في الآخرة.
دائما الشيخ يدعو
للطلبة بين السطور ويقول أسأل الله أن يعينني وإياكم، اسأل الله أن ينفعني وإياكم،
لأن هذه الجلسات من رحمة الله سبحانه وتعالى والتربية لن تكون إلا بالرحمة ومن
رحمتك بالمسلمين أن تُعلميهم ما ينفعهم.
فها هو أبو هريرة رضي الله عنه كان في عهده خلفاء نُعِّموا في الدنيا،
وأتتهم الدنيا وهي راغمة، ولكن هل بقي ذكرهم كما بقي ذكر أبي هريرة؟
الجواب: لا، ما بقي، اما أبو هريرة فَيُذْكر
في كل مجلس علم، وفي كل مسجد، وفي كل خطبة كلما جاء حديثه، وهؤلاء نسوا عيش الآخرة
وهذا النعيم، اللهم اجعلنا ممن يكِدُّ له.
ثم قال ﷺ: "فاغفر
للأنصار والمهاجرة" هذا فيه جواز مراعاة الرَّويِّ أو القافية أو السجع؛ لأن
من المعلوم ان المهاجرة أفضل من الأنصار، فالمهاجرون جمعوا رضي الله عنهم بين
الهجرة وترك الأوطان والديار –ولا سيما أنهم تركوا أفضل بلاد الله- وبين النصرة،
والأنصار أخذوا بالنصرة وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ
الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: 100]
بعدما
عرفنا أن
نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس سوف أستغلهم لعيش الآخرة، أنا لدي وقت لكي أجلس
مع ناس جميلة ومبتسمة وتشرح الصدر
حتى نتقرب إلى الله، والله أكرمنا بفضله ومنته واستطعنا صعود السلالم ونجلس على الكراسي، سبحان الله العظيم هذه نعمة ليتنا نشعر
بجمالها، الإمام البخاري رضي الله عنه يعرفك كيف
تأتي بعيش الآخرة أن قلبك يعزُف عن الدنيا
وينشغل باليقين في الآخرة، بالطريقة "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"
لو أن هذه طريقة تفكيرك "كأنك غريب أو عابر سبيل"
فهل
تتضايقين
على كل شيء؟ أنتِ الآن تعيشي في بيت لو أنت تعرفي أن هذا البيت ستجلسين به أسبوع
ثم تسافري لبيتك الأساسي هل ستنشغلِ بالبيت
والزينة؟
الرسول
ﷺ يمر على أحد الصحابة يصلح سقف بيته من الخوص
فقال له: ماذا تفعل؟ قال: أصلح سقف بيتي يا رسول الله. "فضحك له النبي
ﷺ فقال الأمر أعجل من هذا".
القيامة
اقتربت أو قيامته هو، سرعان؛ فالانشغال بالحياة الدنيا حتى وإن كان في اليد ولكن
ليس في القلب.
باب
قول النبي ﷺ (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل):
ثم
قال البخاري رحمه الله: الحديث الثالث
6416- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي وقال: "كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل". وكان ابن
عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك
لمرضك، ومن حياتك لموتك.
الناس الذين يحبون النوم تقول [لا أستطيع أن
أنام أقل من تسع ساعات في اليوم]
سننام كثيرا في القبر! لماذا تقلقون على النوم هكذا!
ولا تستطيع ان تضغط على نفسها أنت لابد أن تضغطي على نفسك الآن وترتاحين بعد ذلك.
عندما تقيمي الليل بمقياس العلم الحديث أنك ستستيقِظين
متعبة وما تستطيعي أن تفتحي عينك، ولكن عندما يرزقك الله قيام بعض الركعات في
الليل كيف تصبحين منشرحة الصدر مقبلة على هذا اليوم! سبحان الله العظيم!
أخذ النبي ﷺ بمنكبه من أجل أن ينتبه لما يقول
مثل أن أمسك بمنكبكِ لتنتبهي لما سأقول، فلما أخذ النبي بمنكب عبد
الله بن عمر رضي الله عنهما كان من أجل أن ينتبه.
وقوله: " كأنك غريب أو
عابر سبيل"، الفرق بينهما: أن الغريب هو المقيم في
البلد الذي ليس وطنًا له، وعابر السبيل هو الذي مرَّ بالبلد، وهو سائر
يوجد ناس تقول أنا لا أشعر بالاستقرار لأني لست في بلدي وسوف
أسافر بلدي يوما ما، أقول لها ليس شرط ولكن الإحساس أننا كلنا سنترك الدنيا ونموت
فكون أنتِ لستِ في بلدك فالدنيا كلها ليست بلدا أو مقرا لكِ.
أي أنك لا تتخذ الدنيا وطنًا لك؛ لأن الناس
ثلاثة أقسام: مستوطنٌ، وعابر سبيل، والثالث مقيم لكنه غريب، فقوله: "كن في
الدنيا كأنك غريب" أي مقيمٌ في غير وطنك، "أو عابر سبيل" أي:
كالمسافر الذي مر ببلد، فأخذ منها حاجة ثم ذهب وتركها، فلا تكن مستوطنًا في هذه
الدنيا، لأنها ليست دار وطن، ولهذا تأثر ابن عمر بهذه الوصية
أول ما قال الرسول لابن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل أي لا
تستقر وتشعر أنك باقِ فيُزين البيت ويشتري الأثاث المُذَهَّب الغالي، هذا كله
ستتركينه؛ لا بأس من التمتع بالحلال لكن لا يكون شغلك الشاغل وتنسي آخرتك. فالرسول
يفهم ابن عمر أن حالك في الدنيا يكون كأنك غريب أو عابر سبيل.
🌹الأستاذة أمنية بنت محمد🌹

تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقك إذا كان لديك أي تساؤل وسنجيبك فور مشاهدة التعليق