القائمة الرئيسية

الصفحات

باب ما جاء في الرقاق وان لا عيش الا عيش الأخرة

 

باب ما جاء في الرقاق وان لا عيش الا عيش الأخرة

"الجزء الثاني"

 بسم الله الرحمن الرحيم:

أي واحدة منا في قلبها ضيق من أي شيء فالضيق يُذهبه الاعتقادات السوية، النفس ما تنصلح إلا بكلام الله جل وعلا، والكلام عن الحالة النفسية والانفعالات النفسية في القرآن كثيرة جدًا ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ الحجر

فذكر الضيق وذكر علاج الضيق وهو تسبيح الله.

ما معنى تسبحيه؟

 معنى تُسبحيه أي تُنزهيه أن يظلمك، سلام أن يبخل عليكِ بشيء أنتِ تحتاجيه حقيقةً إذا كان في هذا الشيء خير لكِ، سلام من أن يبتليكِ بما لا تستحقين، سلام من أن يُضيعك وأنت صادقة في اللجوء إليه لأنه أكرم الأكرمين والكريم لا يرد أبدًا من يقف على بابه.

فعلاج الضيق:

 أن يكون عندك اعتقادات سوية عن الله جل وعلا تدفع هذا الضيق، عندما يكون حالك متوقف دنيويا وتكوني متضايقة وحزينة ويضربون مثل [سبع صنايع والبخت ضايع] هذا من أمثلة السخط لأن العبد لا يكون ضائعًا إلا إذا ضيع دينه، فحتى لا تتضايقي على أي شيء في الدنيا اعرفي حقيقة الدنيا.

قول البخاري "الرقاق" يعني: ما يرقق القلب ويُلَيِّنُه وذلك أن القلب قد يقسو بالمعاصي وكثرة الغفلة فيحتاج إلى شيءٍ يرققه، والنصوص التي توجب رقة القلب يسميها العلماء الرقاق؛ لأنها تُرَقَّق القلب وتُلَيِّنُه.

نص يرقق القلب ويلينه تجاه الرغبة في الدار الآخرة لأن معيار صلاح قلبك هو مدى تفكيرك في لقاء ٲڵڵــﷻــــہ، معيار صلاح حالك أنك تفكري في الدار الآخرة بدليل المدح الذي ذُكِر للأنبياء والمرسلين في القرآن ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: 46] ، وجاء الذم في سورة يونس للذين لا يفكرون في لقاء ٲڵڵــﷻــــہ ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: 7]

وللأسف الشديد كثير جدًا من المسلمين أهم شيء لديهم أن يلبس جيدًا ويأكل جيدًا ويتنزه ويكون لهم وضع اجتماعي، والشهادات يعلقها على الجدران، الناس تعطيهم وضعهم، هكذا هم يسعدون هم جعلوا معيار إكرامهم في الدنيا دلالة على صحتهم النفسية، وإلا ضاعت صحتهم النفسية تمامًا لأنهم ينظرون إلى الحياة الدنيا.

كثرة الخلطة بالناس تُقسي القلب فنأتي بالنصوص التي تُعرفك الحقيقة حتى يرق قلبك في الاتجاه إلى الدار الآخرة. 

ثم قال البخاري رحمه الله:

حدثنا المكي بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله بن سعيد –هو ابن أبي هند- عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي ﷺ: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ".

تعليق الشيخ ابن عثيمين:

الله أكبر، صدق الرسول عليه الصلاة والسلام،

 يقول الشيخ:

                         الله أكبر فرحا بحديث الرسول ﷺ، وهذا حال من يتمتع بكلام النبي ﷺ أو بكلام ٲڵڵــﷻــــہ، مجرد ان تقع الآية في قلبه يقول: الله أكبر فرحًا لأن الفرح الحقيقي بكلام الله جل وعلا وبهدي النبي ﷺ، ما الدليل على أن الفرح الحقيقي بكلام ٲڵڵــﷻــــہ وبهدي النبي ﷺ؟ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]

  قصة لطيفة حدثت مع عمر رضي الله عنه وأرضاه عندما جاء خراج بغداد عندما فُتِحت في عصر عمر بن الخطاب، فجاء خراج بغداد كثيرًا فبدأ عمر يعد الإبل التي أتت من بغداد فوجدها أكثر من أن تُعد، فقال: الحمد لله رب العالمين. فقال: مولى عمر (الغلام الذي يعمل عند عمر) ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58] فقال عمر: كذبت واللهِ ما هذا فضل الله بل هذا مما يجمعون.

الإبل هي خير أموال العرب، فقال عمر للمولى هل أنت تفرح بهذا! هذا مما يجمعون، فهذه الدنيا ولكن الفرح الحقيقي بكلام الله، والفرح انفعال يعطي للنفس سرورًا ويبعث على النشاط والحيوية والإقبال.

فما الذي تفرحي به حقًا ويعطيكِ طاقة وقوة وانبساط؟ هو كلام الله وسُنَّة النبي ﷺ.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ 58 قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 57 – 58]

فضل الله: القرآن.

 رحمته: السُنَّة، ولذلك انفعال الفرح جاء في كلام الله مذمومًا وممدوحًا.

 الممدوح من الفرح أنك تفرحي بكلام الله وكلام الرسول ﷺ، أي يحق لكِ أن تفرحي بمثل هذه الجلسة أكثر من مليار ريـال، لأنها خير مما يجمعون وهذا كلام الله وكلام الرسول ﷺ.

فقال الشيخ ابن عثيمين:

الله أكبر صدق الرسول إن هاتين النعمتين مغبون فيهما كثير من الناس، فإن كثيرًا من الناس قد أضاعهما، تمضي عليه الأيام الطويلة وهو صحيح البدن فارغ، وتضيع عليه، وهذا غبنٌ بلا شك.

       معنى غبن؟ أي الخسارة، يعني خسارة أن نضيع مجلس مثل هذا، خسارة؛ خسارة إنك تضيعي يوم ما تزدادي فيه إيمانا، من ماذا تعرفي معيار يومك إذا ناجح أو فاشل؟ إذا عرفت هل ازددت في هذا اليوم علمًا وإيمانًا؟ هل ازددت عبادةً؟ هل ازددت قربًا من الله؟ هل ازددتِ معرفةً؟ هل تقربتِ إلى الله عز وجل فيه بعمل صالح؟ وهكذا قيسي حتى لا تكوني خاسرة.

فالشيخ يُعرفك معيار الخسارة الحقيقية وفي السنة هناك معيار للخسارة وفي القرآن في دورة المفاهيم القرآنية تتبعنا لفظ الخسارة في القرآن ووجدنا الخاسرون هم الغافلون الغير مقبلين الذين أعرضوا عن دين الله لا يتعلمونه ولا يعملون به ولا يُعلِّمونه ولا يدافعون عنه.

ولا يعرف هذا الغبن إلا إذا مرضَ فيقول: كيف لم أفعل كذا في أيام صحتي؟ كيف راحت عليَّ هذه أيام ويتبين له الغبن.

🌸 أسأل الله عز وجل أن يرزقنا كسب الوقت في طاعة الله. آميـــــــــــــــــــــن

كذلك الفراغ، فترى الإنسان فارغًا ليس عنده ما يشغله أو ينشغل بما لم يُخلق له،

 مثل أن تنشغل المرأة بجوال زوجها كالمخابرات، أو تنشغل بالقيل والقال، أو تنشغل بأحوال الناس، تنشغل بأملاك الناس. تسأل فلانة كم راتبك؟ ماذا يفعل لكِ زوجك؟

فالفراغ أنك لا تفعلي شيء يقربك إلى الله أو أنك تنشغلي بالباطل نسأل الله السلامة والعافية.

كذلك الفراغ، فترى الإنسان فارغًا ليس عنده ما يشغله، ويأتيه رزقه عند عتبة داره، ولا يحتاج إلى طلبه، ثم إذا به ينشغل في طلب الرزق.

 مثلا أخت رزقها الله وقت في الصباح ثم نقول يا أخوات تعالوا كل يوم نقرأ ساعتين في تفسير الشيخ السعدي فما الذي يمنعك وأنت أبناءك كلهم في المدرسة! الله سبحانه وتعالى يُيَسِّر أنتِ قولي يا رب يسر لي والله سييسر لكِ، تري عجبًا في تدابير الله في تفريغ أهل العلم للعلم، فلا يوجد لنا أي عذر في أننا لا نطلب العلم الشرعي.

ثم إذا به ينشغل في طلب الرزق، أو في غيره، فحينئذٍ يذكر أنه مغبون فيما سبق؛ حيث لم يعمل في وقت ذلك الفراغ، ولهذا قال الرسول ﷺ: ((مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس))

لفظة كثير من الناس تدل على أن هناك القليل من أهل الحزم والعزم الذين يقدرون الأمور ويعرفونها ويعرفون أن الوقت أسرع مما يتصورون فكم من إنسان يستبطئ الأجل فإذا به حلَّ، وكم من إنسان يستبطئ زوال النعمة فإذا بها زالت، فمثلا يكون صحيح البدن فيقول: متى أكون شيخًا أعجز عن العمل؟ فإذا به يصاب بآفة تمنعه من العمل، وكما قال الرسول ﷺ: ((خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك))

أنتِ الآن لديكِ وقت وسيأتي وقت آخر ستنشغلِ فيه وما أسرع مرور الأيام، هناك ناس غير مدركة خاصة الشباب، أي وقت تستطيعي إنك تزدادي فيه إيمانا فهو نعمة من عند ٲڵڵــﷻــــہ فأنتِ تكوني رُزقتي بنعم وصحة تستغليها قبل أن تتعبي، ومن عجيب الأمور أن العبد عندما يدخل المستشفى تجد أن الوقت في المستشفى مشغول من طبيب إلى تحاليل ثم الى كذا، فتقولِ سبحان الله، ما هذا الانشغال بالمرض؟ فنسأل ٲڵڵــﷻــــہ أن نستغل هاتين النعمتين، ‏۞اللهُم آميِنْ يـــآرّبْ العآلمينْ۞

ثم قال البخاري رحمه الله:

6413- حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غُنْدَر، حدثنا شُعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "اللهم لا عيشَ إلا عَيْشُ الآخرة، فأصلح الأنصار والمهاجرة".

 من المُقدَم في المكانة العليا الأنصار أم المهاجرۃ؟ هم المهاجرين ولكن لجمال القافية فجاز التبديل بينهما من أجل السجع، ولجمال اللغة وقع في القلب وتأثير على المشاعر، لكن المفضل عند الله هم ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: 100]

 ما في أحد حدث له كما حدث للمهاجرين، كانوا يُقطعُون من الضرب وتركوا ديارهم وأموالهم حتى الثوب الذي عليهم عندما يكون ذو قيمة كان المشركون يأخذوه منهم ويتركونهم يسافرون بالثوب الذي تحته.

6414- حدثني أحمد بن المقدام، حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا أبو حازم، حدثنا سهل بن سعد الساعدي، كنا مع رسول الله ﷺ في الخندق وهو يحفر ونحن ننقل التراب وبَصَرَ بنا فقال: "اللهم لا عيشَ إلا عَيْشُ الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة"

 نظر إليهم الرسول ﷺ ووجد حالتهم ضيقة مثل ما نرى حالة إخواننا في سوريا وفي غزة وفي اليمن وفي بورما وفي دول نحن لا نعرف أسماءها لكننا نرى المسلمين يُعذبون، فيجب علينا تطييب خاطر هؤلاء بكل ما نملك وأسأل الله أن يعذُرنا فيهم.

الرسول ﷺ يريد أن يخفف عنهم فقال: "اللهم لا عيشَ إلا عَيْشُ الآخرة" يعني كل العذاب الذي أنتم فيه ما يضايقكم أبدا.

واحدة تقول [ما يكفينا الراتب، ما نعرف نعيش]، قولي لها لا تهتمي لا عيشَ إلا عَيْشُ الآخرة، الصحابة كانوا يحدث معهم هكذا.

فنظر إليهم فقال: " اللهم لا عيشَ إلا عَيْشُ الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة"

 حفر الخندق كان في سنة خمس من الهجرة، حين تألَّب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصروه في المدينة، وخاف ﷺ أن يدخلوا المدينة، فاستشار سلمان الفارسي رضي الله عنه ماذا يصنع، فأشار عليه بحفر الخندق، فحفر النبي ﷺ ما بين الحرتين، لأن الحرة لا يمكن أن يأتوا منها؛ لأنها صعبة على الإبل وعلى الأقدام، فحفر ما بين الحرتين خندقًا لا يتجاوزه العدو، وجعل النبي ﷺ يحفر الخندق ويباشره بنفسه..

 حفر النبي ﷺ ما بين الحرتين أي مكانين مرتفعين لن يستطيعوا تجاوزهما، فيمكن أن يدخلوا من شمال المدينة أو من جنوب المدينة، فاستشار سيدنا سلمان الفارسي وكان من الفرس فأشار عليه بحفر خندق واتفق مع اليهود (الخونة) ليحموا المدينة من الجنوب.

🌹الأستاذة أمنية بنت محمد🌹 

تعليقات